( قصة للأطفال ) العربى عبد الوهاب " بيديها الصغيرتين فركت القرية عينيها كطفلة ، لتفيق من نوم عميق طال زمنا طويلا .حين قالت أمنا مصر كلمتها وقامت ببناء السد العالى ، رغم معارضات الدول الكبرى وامتناع البنك الدولى عن التمويل ، كانوا يخافون يا بنى من نهوض المارد المصرى " . وتطلع المهندس سمير لعينى ولده عامر السوداوين والتماعات ذكية تبدو فى نظراته ، وفى إنصاته للحديث ذكره بالجد ، حين كانت اللمبة الجاز (الكيروسين ) التى تنير الحجرة الطينية وقد خفتت شعلتها شيئا فشيئا لتعلن انقضاء وقت سريان الليل وأنه يجب أن ينهض الولد للنوم ، ثم قام الوالد إلى سريره . فى اليوم التالى تطلع المهندس سمير إلى خضرة الحقول من حواليه ، ونسمات ربيعية كانت تتسلل إلى مسام الجسد من بين فتحات سترته الكاكى الصفر اء ، ثم طلب من رجاله أن يبذلوا جهدا أكثر قائلا : الهمة يا رجال . فيسرع عمال الحفر ، وتنطلق ترديدات غنائية جماعية من عمال المواد الخرسانية . كانت الحكومة قد قررت مد أسلاك الكهرباء إلى القرى والعزب والكفور بعد بناء السد العالى ، صار الحلم طائرا أبيض يرفرف فوق كل الأمانى البعيدة .. وجاء المهندسون والعمال والشاحنات حاملة الأعمدة العملاقة .. تلك التى سوف تمر عبر الحقول ، وسوف يصدر عنها أزيزا كطنين النحل حاملة الضغط الكهربى العالى إلى المحولات الصغيرة بالقرى ، أما عربات النقل فقد حملت أعمدة صغيرة ، بدأ العمال بدقها فى شوارع القرية . فى ذلك الصباح تغنى الرجال : قلنا هنبنى وأدى احنا بنينا السد العالى .ثم انسكبت المواد الخرسانية فى الحفر الكبيرة بأمر المهندس سمير ، أخذ العمال فى دق الخوازيق التى سوف تنهض عليها بعد أيام الأعمدة العملاقة .قال المهندس سمير لنفسه : غول الحضارة الجديد سوف يوزع أنواره على ربوع المكان ، وسوف يختبئ منها مارد الحقول الذى يبث الذعر فى قلوب أطفالنا زمنا طويلا ، لسوف ينام تحت الكبارى وفى الخرابات ويزيح النداهة وجنية البحر للوراء .: الهمة يارجال .أما عامر الصغير فكان يقضى بعض ليله مع أبناء عمومته فى التعرف على شوارع القرية ودكاكينها الصغيرة ويلعب معهم أ لعابهم الريفية كالاستغماية و الحجلة……… كان لطفهم معه يشعره بالخجل رغم صدقهم وحبهم الجارف له ، كأنهم يتحدثون عن قرية أخرى يقومون بوصفها لسائح لم ير من قبل هذه الجلابيب ، وتلك الحيوانات . حدثوه عن عادات .. وكلمات وضحكات صافية طالعة من القلب ، ثم ترسبت فى حنايا وخلجات قلب عامر . عندما تعلق عامر بأبيه ، وتمكن أبوه من الحصول على إجازة مدرسية له لمدة أسبوع . اصطحبه رغم رفض زوجته . كان الأب فى قرارة نفسه يراهن على مهر صغير هو ابنه وعلى أمل أن يتعلق بالقرية ، حينئذ يقوم بإغراء زوجته لتعيش معه أحضان الخضرة والجمال وفى النهاية هو كرجل ريفى وعد وتعهد ولابد من الوفاء بعهده ، فقد وافق عند الزواج منها على شرطها الوحيد ، أن يعيش فى القاهرة مع زوجته القاهرية ، التى تخاف الناموس والذباب رغم حبها للخضرة والبراح ، وكان ولده عامر هو رهانه الأخير . بسلاح الحب فقط يمكنك أن تصنع المستحيل .هكذا كان المهندس سمير يحدث نفسه ويتأمل نبات الفول المترامى فى الحقول والعمل يسير على قدم وساق .أما القرية فقد توزعت بين مؤيدين ومعارضين . كان العجائز ينظرون فى أسى إلى لمبة الجاز ، كأنها عندما تنطفئ ، سوف تسحب معها الونس الصافى ودفء الحكايات وترمى بهم إلى التبلد أمام التليفزيون وخلف الأبواب المغلقة ، كانوا يخافون من الضيف الجديد القادم كالطوفان أو الإعصار يعتقدون أنه سوف يسحب ذكرياتهم وأيامهم الجميلة إلى الوراء ثم يسحب عليها غطاء النوم ، كانوا يشيحون بأياديهم الواهنة وعروقهم البارزة التى أكلها الشقاء ولا يصدقون قول القائلين من الفريق الآخر المؤيد لأنوار الكهرباء .عند المساء عاد المهندس سمير إلى قريته بصحبة العمال مارا بالخليج الصغير الذى أسلمه إلى شارع داير الناحية ، عابرا أمام ماكينة الطحين وكان كل من يمر به يناديه : تفضل يا باش مهندس .وهو يلقى السلام على أهله وهم يشمون فى ملابسه رائحة الضيف الجديد .فى الطريق توقف وسلم على صاحبه وزميل دراسته بحرارة ودخلا إلى المسجد معا لصلاة المغرب .. وبعد الصلاة ، قال له صاحبه : ما أخبار ضيفنا الجديد (يقصد الكهرباء) ، رد عليه سمير بابتسامة حلوة تحمل روح المداعبة : يستريح الآن فى الطريق .انتفض صاحبه ونظر إليه بنظرة تأنيب : خير إنشاء الله .أمام جدية الصاحب وعدم احتماله للمداعبة اضطر المهندس أن يكون جادا ويفضى إلى صاحبه بعض مضايقات أصحاب الأراضى قائلا : يا سيدى منهم من ذهب إلى العمدة شاكيا رافضا أن يندق العمود العملاق فى أرضه ، ومنهم من حاول رشوته .ثم قال : ألاعيب كثيرة يا صاحبى مصدرها الخوف .رد عليه صاحبه : أو قل الجهل .المهندس : هو خليط من هذا وذاك .وبانضمام صاحب ثالث فى الطريق صاروا صحبة يتجاذبون أطراف الحديث ويخففون عن المهندس ثم انبثقت الضحكات كأنها النبع الصافى ما إن تمد دلوك إليه حتى يطلع بالماء عذبا رائقا ، وقد انتهوا إلى اتفاق أن يقيموا سامرا كبيرا فى القرية يوضح للمزارعين أهمية أن تصل الكهرباء إلى حياتهم التى عمها الظلام . كاد عامر الصغير أن يطير من السعادة عندما أخبره والده عن إقامة السامر مساء الغد .. كان لا يعرف شيئا عن ذلك بتاتا . عالم غامض يحمل فى طياته السعادة والترقب ، قليلا ما حدثه الأب عن عالم القرية أما أمه فكانت لا تجيد الحكايات . ولم يتوفر لجدته من قبل ، ولو قليلا من الوقت ، لتمتلك عليه مسامعه . وتزرع بقلبه الحكايات .قال له والده : السامر مثل المسرح تقريبا . ثم سكت قليلا وأكمل : ولكنه أفضل وسترى .وقالت له الجدة فيما بعد : السامر يا بنى تمثيلية يشترك فيها بعض من أبناء القرية ، يلبسون أزياء يختارونها بأنفسهم لتمثيل دورهم فى السامر ، ويقام وسط الجرن أو فى أى مكان يتسع لأهل القرية . ابتسم عامر وهز رأسه يستحث الجدة على المزيد .. ولما نظرت له ولم تكمل سألها : وأين يا جدتى يجلس الجهور والمؤلف وال………..قاطعته الجدة ضاحكة : التمثيلية يا ولدى فى السامر ليس لها مؤلف ، كل واحد يؤلف دوره إنهم شباب يتفقون على الموضوع .. ثم يمثلون .ابتسم عامر : هكذا يمثل كل واحد حسب هواه . أكدت الجدة : نعم .. حسبما يرى ، وحسب وجهة نظره فى الموضوع ، وحسب الموقف والحضور .. : وال…….؟رأت الجدة أن أسئلة حفيدها لن تتوقف .. ولن تتمكن من الهرب فقررت أن تأخذه إلى حكاية أخرى .( كان يا ولدى فى قديم الزمان مارد طويل ، إذا نظرت إلى ساقيه تراهما نخلتان ، أما رأسه فلا ترى منها سوى زعبوط طويل كالذى نشتريه لكم من الموالد .هذا المارد يسكن الحقول البعيدة ، وفى الليالى المظلمة وحين تكون بمفردك يطلع لك مناديا عليك باسمك .ضحك عامر : وكيف يعرف اسمى ؟.أكملت الجدة .. يعرف كل أسمائنا ولا نعرف له اسما ، فأطلقنا عليه المارد لطوله الفارع ، كنا نظن أنه لا يؤذى أحدا إلا من يراه شريرا .. يضحك ، حتى أن ضحكاته تملأ الفراغ ، ثم يمد يده إلى أسفل حيث يجد فريسته من بنى الإنسان كأنها عود طرى من البرسيم يرفعه إلى أعلى ، أعلى من النخلة يا ولدى .. ( كانت الجدة عندئذ كأنها تتذكر ) تستجمع بقايا صور ماضية .. وتكاد أن تنفرط من عينيها دمعة . بادرها عامر بصوت واهن مشحون بالترقب . ساعدت الشعلة المهتزة للمبة الجاز على انفتاح كل خلايا الترقب عن الحفيد . : هل رأيت المارد يا جدتى ؟ . عندئذ انفرطت دمعة من عينيها ، وقالت : رآه جدك يا ولدى وأخبرنى . ثم سكتت قليلا كمن فتحت جرحا قديما يتأبى على الشفاء ، جرح يحمل فى طياته شريطا ممتدا من الذكريات وأكملت : عاد جدك ذات مساء متأخرا وكنت فى انتظاره منذ دخول الليل ليعود من المدينة .. فى ليلة شتوية ممطرة ، عاد يا ولدى بجلبابه الذى كان أبيض وقد غطى الطين ملابسه ، والخوف يملأ قلبه ولم ينطق غير كلمات قلائل ، قبل أن يشرع فى البكاء ، وبكت الجدة .. بكت كأنما ترى الجد أمامها .كان ذلك قبل ثلاثين عاما .. وكان أبوك فى مثل عمرك .. قال لى جدك : سقطتُ فى الخليج ،ثم حملنى بيديه الطويلتين . سألته : من ؟ . كان كمن يحلم أو يحكى كابوسا ، وقال : ظهر لى فجأة وسط الحقول وأنا عائد ، العربات توقفت مخافة الحوادث ، والطريق الترابية يتزحلق عليها الماشى على قدمين … : خلاصته حاول جدك اختصار الطريق فقطع طريقا آخر وسط المزارع ، وهناك عند كوبرى الرشاح طلع له المارد . ثم سأل جدك سؤالا لم يعرف له إجابة .تساءل عامر : وما هو السؤال ؟قال لجدك : أيهما أكبر عين الديك أم عين الدجاجة ؟ولما تحركت ضحكة ساخرة فى قلب عامر حبسها أمام حزن الجدة التى لم تكمل ، بل نهضت إلى قلة الماء فشربت ، ثم ناولتها لعامر فشرب ، وجاء حمار النوم مسرعا ، فخاف عامر أن يدهمه ونام . بعدما اصطف الناس أمام دكان حسين عبد الجليل وفى الوسعاية ، وفوق أسطح الدور الطينية وفوق المصاطب وعتبات البيوت ، طلع من دار عبده حمادة رجل بساقين طويلتين .. وأعلى رأسه زعبوط طويل وأخذ يرمى من فوق رؤوس الناس العمامات والطواقى حتى أحدث جلبة وضحك ، ثم أخرج عودا من الغاب يشبه الناى وظل يدور به هنا وهناك كمن يبحث عن شئ حتى ظهر له طفل صغير بملابس سوداء تماما يمسك بلمبة الجاز ، التى بدون زجاج ، يحافظ على شعلتها من الانطفاء .. ثم قربها إلى عود الغاب فاشتعلت حريقة صغيرة من العود وخرج من منخاريه دخان كثيف جعل الواقفون يضجون بالضحك . جلس بعدها المارد على مقعد كبير وسط الحلقة وعند قدميه ولده الأسود .بظهور شاب يحمل مصباحا زيتيا ( الكلوب ) ضحك المارد وقال : كهرباء .. يا حلاوة .. واحد كهربا هنا . فلم يجبه الشاب .كرر المارد نداءه على الشاب أن يقدم له الكلوب قائلا : واحد كهربا هنا . وانتشر الضحك والتنكيت بين الواقفين ودار حوار كوميدى بعد ذلك بين الشاب حامل المصباح الزيتى وبين المارد .. بينما كان الولد الأسود يقدم فاصلا من الحركات المضحكة بوصفه ابنا شرعيا للمارد .كان الشاب يتميز بصوت قوى تمكن عامر من تمييزه بعد قليل ، وكان المارد كل حين ينتفض واقفا فوق المقعد بساقيه الطويلتين فتطال يداه حزم القش والحطب أعلى دار حسين عبد الجليل ، أخذ يجر حزمة من القش ويقدمها إلى الشاب : أتحب أن تشرب عصير البرسيم معى ؟ فلم يتراجع الشاب للوراء ، بينما يتقدم المارد على مهل ناشرا دخانه على الجميع ناطقا بصوت أجش يفتح فى صدور المتحلقين ينابيع الضحك والسخرية ، اشترك البعض معه فى الحوار : هل رأيت اسماعيل الجحش ؟.يرد المارد : لا .. يكمل المتحاور : لما لا .. ألم يأكل معك البرسيم يا حمار .أمثال تلك المداولات كانت تصدر دون اتفاق من المتحلقين ، وكان المارد كل حين يتقهقر للوراء أمام أنوار الكلوب الباهرة . فى حين أن لمبة الجاز انطفأت منذ البداية .. وتحولت إلى لعبة يجرى بها الولد الذى يلبس زيا أسودا . ضحك صاف يحمل معان كبيرة ، ويكشف خوف الريفيين من الكهرباء .. ويوضح أن ماكينات الفراز لاستخلاص الزبد وأخرى لتصنيع العصائر والمربات ، وصناعات جديدة للنسيج .. وصناعات … وصناعات … وحياة يحملها حامل المصباح الزيتى كأنه يحمل مصباح علاء الدين .. بينما المارد كان كلما فشل فى الإجابة عن تساؤلات الشاب الذكية دار وسط أهل القرية ، حانيا رأسه ، كمن يقدم تحية هزلية تعكس الجهل والضعف . عندما تجمع الأولاد أمام الجامع ، بعد أن انفض السامر ، كان أول اقتراح قدمه سالم ابن عبده حمادة : ما رأيكم يا أصحاب أن نقيم لأنفسنا سامرا صغيرا . وبعد الاستفسار قال سالم : نمثل نحن السامر . وتوالت الأسئلة : إذا كنا سنمثل .. فمن سيشاهد ؟ ومن سيقوم بدور المارد ؟. لم يوافق عامر على دور المارد وقال لسالم : ما رأيك فى النداهة .: فكرة جميلة ..: لكن من يقوم بدورها .قال حسين بن عم عامر : أنا .وقال سالم : لا يا قصير أنا أجيد تمثيلها . عندما يتلاقى ضوء القمر مع ماء النهر الصغير يتجمع الأولاد كل ليلة ، ينتشر الهذر والجرى ، وتوزيع الأدوار وفى النهاية خلع أبوزيد جلبابه وربط عبد الباسط شاله الأبيض حول وسط أبوزيد الذى دفعه للوراء فسقط أسفل الصفصافة ، التى كانت ترمى بفروعها الوارفة على وجه الماء .. هبط سالم إلى أسفل الجسر حتى نسوا اختفاءه لبعض الوقت .. ربما بسبب انشغالهم فى تفسير حركات المارد عند السامر الكبير . ولما دوت صرخة كبيرة ،وطلع سالم من أسفل الجسر بوجه أحمر تماما وكان عاريا إلا من لباس يوارى عورته .. نادى قائلا : يا اسماعيل يا ابن أم السعد . تلفت الأولاد باحثين عن اسماعيل ، وقفز اسماعيل من بينهم ليختبئ وراء الصفصافة ولم يفزعوا ، إلا عندما ارتطم بالماء شئ كالحجر .. كان سالم قد قذف طوبة كبيرة بقدمه ونادى مقلدا صوت المرأة : أنا خالتك يا اسماعيل .. هل تستطيع أن ترفع على زلعة الماء .رد اسماعيل : وأين الزلعة يا خالتى .كان يمط الكلمات ويحاول بقدر الامكان الابتعاد عن سالم ، الذى كان يقترب منه خطوة بعد خطوة . ولم يلاحظ الأولاد من دفع اسماعيل من الوراء باتجاه سالم حتى صارا وجها لوجه .سأل : أمسكت بك يا ابن أم السعد . وسدد له لكمة فى بطنه ،كانت قوية بحيث أن اسماعيل جأر ثم سقط على الأرض ، ونشبت مشاجرة بين أنصار اسماعيل وجيران سالم ، وفسر الجميع أن اللكمة كانت على سبيل تخليص حق من اسماعيل الذى ضربه على رأسه أثناء مشاهدة السامر الكبير . فى نفس الليلة لعب الأولاد الاستغماية .. وجروا وراء بعضهم فى شوارع القرية ، على ضوء القمر الواهن ، كان الظلام المتلبد فى الحوارى من العوامل التى ساعدت على هرب الجميع من بين يدى سالم ، الذى صدر عليه حكم الأولاد ، بأن يغمض عينيه ويستدير للحائط .. ويعد من واحد حتى عشرة ، وعندما أكمل رقم سبعة ولم يشعر بأى حركة حواليه .. ضرب الحائط بقبضته وقال : لن ألعب . وانسحب إلى بيتهم لينام . بينما ظل عامر يجرى ويجرى ، حتى تراءى له من بعيد خيال المآته القائم ، وسط الأرض على أنه سالم ، وسمع صوت اسماعيل وضحكات ابن عمه قريبة منه ، فمشى باتجاه الواقف وسط الحقول .كان الليل ينسحب من تحت أرجلهم الصغيرة .. وعامر يجرى بعيبدا عن يدى سالم الطويلتين ، ومن المارد الطويل عند دكان حسين عبد الجليل ، ومن النداهة ، التى ارتطمت بالماء عند البحر .. ثم توقف عن الجرى ونظر حواليه فلم ير شوارع القرية .. أخذ يفكر ثم تذكر شوارع القاهرة ونداء أمه عليه من البلكونة أن يكف عن اللعب ، ويصعد ، وحكايات جدته عندما سأل المارد جده أيهما أكبر عين الديك أم عين الدجاجة . عندئذ نادى عامر بأعلى صوته المرتجف : أين أنت أيها المارد الذى لطخت جلباب جدى بالطين وقتلته فى ماء الخليج ، أين أنت يا بن العفاريت ؟.كاد قلبه أن يقفز من بين ضلوعه ودمعة جدته ما زالت عالقة بعينيها ، ونظر حوليه فإذا به قد ضل الطريق ووجد نفسه ماشيا على خليج صغير .. ودور القرية الطينية اختفت تماما .. أحس أن القمر ينظر له ويسير معه ، فسار وهو ينادى ولا أحد يسمعه أين أنت أيها المارد الحقيقى ؟ .ولا يدرى كيف انزلقت قدمه وسط مجرى مائى صغير ..وتلطخت ملابسه بالطين ثم أحس كأن أحدا يجذبه من ياقة قميصه قائلا : قف أيها الصبى الصغير .: من أنت ؟: أنا من تبحث عنه .: أ…….: أنا عمك عبده .: أنت المارد ؟!: لا تخف يا ولدى.ونظر عامر فى عينى الرجل .. لم يكن طويلا كما كان يظن ، لكن عيناه كانتا يطلع منهما شرر أحمر ويده أصبحت تمسكه بشده ، ووجد عامر نفسه يسأل .: إذا لم تكن المارد فأجبنى . : اسأل يا.: عين الديك أكبر أم عين الدجاجة . احتار الرجل ونظر إلى عامر ثم أطلق ضحكات طويلة .. اهتزت لها الحقول ، وأحس عامر بأنه هالك لا محالة .حين اقترب من أفرع الشجرة التى كانت بعيدة ، وأحب أن يكرر سؤاله وأن يجد إجابة .. وأن يكون جده على قيد الحياة لينقذه من بين يدى المارد ، الذى يطلع للسائرين فى الليالى المظلمة من تحت كوبرى الرشاح ، ثم نطق بصوت متحشرج : يا أبى .. أين أنت يا أبى؟؟ .. وأفاق عامر فى اليوم التالى على سريره ، وحكت جدته عما جرى له ليلة أمس .ثم أمسكت به حين هم بالقيام ، وقالت : ألا تحب أن ترى عمود الكهرباء الذى أقاموه أمام دارنا ؟. ابتسم عامر : أصحيح يا جدتى ؟. أخذته فى حضنها فتبدد خوفه وقالت : عمك عبده حمادة جاء بك بالأمس من عند الخليج ، وكنت محموما يا ولدى .. لماذا ابتعدت عن الأولاد ؟ . قال : من أجل المارد يا جدتى .قالت له : ما عفريت إلا ابن آدم .قال : يا جدتى عين الديك أم ……..ابتسمت الجدة وقالت : لم يمت جدك بسبب ما رأى ، وربما لم ير شيئا ، وربما تخيلت أنا ذلك .. كان ذلك يا ولدى أيام الجهل والظلام الدامس ، الآن يمكنك أن تضئ عمود الكهرباء فى شوارع القرية وتمشى آمنا مطمئنا ، النور يزيل الأوهام يا ولدى . سألها عامر : والنداهة يا جدتى .. وجنية البحر ؟قالت الجدة : العفاريت يا بنى يخلقها الجهل والظلام . أيقن عامر أن والده وأعمدة النور التى سوف تضئ القرية ، لن تجعل للعفاريت مكانا بينهم وإن بقيت ذكراها فى العقول الضيقة وفى الكوابيس . وعند عودة والده وقف أمامه كجندى صغير وقال : أنا أحب القرية يا أبى وأحب الكهرباء هل أستطيع أن أعيش هنا وأدخل المدرسة ؟. نظر إليه أبوه بتأن ثم سأله : وهل توافق أمك ؟.قال : ليتها توافق أن نعيش جميعا هنا.أخذه والده فى حضنه ودار به دورة كبيرة ، ثم عاد وسأله ضاحكا : وماذا تفعل مع المارد يا عامر ؟.أجابه عامر بنفس كلمات الجدة : العفاريت يا أبى يخلقها الجهل والظلام ، وأنا سوف أمشى دوما فى النور
.
.
السبت, 23 يونيو, 2007

jpeg

jpeg

jpeg

jpeg
(0) تعليقات
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









