جلس العم قشطة بائع اللبن العجوز .. ذات ليلة واضعا رأسه فوق ركبتيه ، يشكو لله وحدته ، فلم يعد له فى الدنيا سوى جروه الصغير الذى يطعمه ويسقيه ، حتى يكبر ليخرج معه فى الصباح ؛ وهو يبيع اللبن ؛ يمنع عنه أذى الطريق ويؤنس وحدته ، انتظره ليكون سنده فى الحياة .. طالت الشهور وشعر العجوز بالوهن يدب في جسده وأنه أصبح غير قادر على رعاية جروه الصغير .. قرر أن يطلقه إلى حال سبيله عسى أن يجد من يتولى رعايته أو أن يحصل على رزقه بنفسه .فى الصباح صعد العم قشطة إلى أعلى البيت .. فوجد الكلب الصغير ينظر إليه ؛ ينتظر أن يخرجه من كوخه حيث الحرية والحياة وضوء الشمس الجميل الدافئ .. مد العم قشطة يده وأخرج الكلب وما إن ظهر الطوق فى يده حتى ظل الكلب يدور حوله وهو يتمسح فى جلبابه ويقفز حوله .. ظاناً أنه يريد أن يلاعبه كما تعود كل يوم عندها التمعت دمعة في عيني العم قشطة ، وأمسكه متألماً ووضع الطوق فى رقبته ، حاول الكلب بحركات قوية أن يتخلص من الطوق دون فائدة .. نزل العم قشطة درجات السلم وهو يجر الكلب وراءه والكلب مازال يحاول التخلص ؛ والطوق يمنعه من الانطلاق ومن الحرية . رفع العم قشطة أقساط اللبن فوق ظهره ومضى وهو يجر الكلب الصغير خلفه إلى أن وصل إلى منطقة بعيدة عن المنزل ، وقام بفك القيد من رقبته ومضى ، ظل يمشى والكلب الصغير يمشى خلفه ويتمسح فى جلبابه ، والعم قشطة يدخل من بيت إلى بيت ، ويخرج من حارة إلى حارة .. والكلب لا يزال وراءه ، ظلا هكذا إلى أن اختفى العم قشطة تماما عن عيني الكلب فوجد نفسه وحيدا لا يرى أحدا ولا يسمع صوتا ، ظل يدور حول نفسه ولم يجد العم قشطة ، جلس حائرا فلم يعد له أحد ولا يعرف مصيره إلى أين .. وهو الذى لم يغادر الكوخ منذ جاء به العم قشطة وهو جرو صغير مغمض العينين ، عاد يمشى من حيث جاء يدخل من حارة إلى حارة ومن بيت إلى بيت .. تقذفه الأطفال الأشقياء بالحجارة ، وتركله الرجال بالأقدام خوفا من أن يلمس ملابسهم أو يدنسها بلسانه ، أما النساء فمنهن من تحنو عليه فتلقى له بعض الطعام ومنهن من تقذفه بالماء القذر . عاش الكلب أياما مشردا بين الحوارى والأزقة والبيوت ، لا يعلم له ذنب سوى أنه لم ير النور قبل هذه الأيام القاسية التى تعلم فيها النباح الذى وجد فيه الخلاص الوحيد من إيذاء الناس .. وكلما اقترب منه أحد هب فى وجهه حتى ينصرف عنه ، أحس بكره شديد للبشر لكنه لم ينس حبه للعم قشطة ، مرت شهور طويلة وهو ينتظر الصباح ، حتى يسمع صوته وهو ينادى نداءه الجميل على اللبن : (لباااان .. حليب يا قشطة) رغم الأصوات الكثيرة التى يسمعها ..لم يرد أن ينصرف من رأسه صوت صاحبه حتى يجده ذات يوم فيعرفه فقط ليراه ولو من بعيد .. فهو أول من رعاه وأشفق عليه . كبر الكلب وهو لا يزال يترقب الأصوات فى كل صباح ، عشق الحياة ودفء الشمس ..غفر للعم قشطة ما فعله به ؛ فهو الذى منحه فرصة للحرية ، أراد أن يراه ليحقق له ما تمناه فقد صار قويا ، يستطيع الآن أن يؤنسه ويحميه من أذى الناس ، كم يحب الآن أن يسمع الاسم الذى كان يناديه به العم قشطة (سند) ما أجمل هذا الاسم لقد سمع أسماءً كثيرة أطلقتها الناس عليه منها (الكلب السعران الأجرب) ما أجمل نداءك ياعم قشطة وما أجمل صوتك الحنون ، آه لو تعود لي .. ظل الكلب سند ينتظر سماع صوت صاحبه ، وذات صباح سمع : (لباااان .. حليب يا قشطة). نعم إنه هو .. ضعف صوته كثيرا، مر العم قشطة أمام سند ولم يلتفت إليه ، رجل عجوز ضعيف لم يعد يستطيع النداء .. صوتك مازال جميلا ياعم قشطة حتى وأنت كبير لا زال حنونا، مضى العم قشطة فى طريقه ومضى سند وراءه ، فرحا بتحقيق حلمه الذى عاش وقاسى الكثير من أجل تحقيقه .. لقد عادت الحياة تبتسم لك ثانية يا سند ، الآن جاءت فرصتك لتكون سندا حقيقيا للعم قشطة .. ظل سند يمشى وراءه يدفع عنه الأذى دون أن يشعر به ، مرت شهور والعم قشطة يدور فى شوارع المدينة ينادى على اللبن ، وسند سعيد بدوره فى حمايته .تدريجيا بدأ العم قشطة يشعر بقلة المضايقات مما جعله يستعيد الثقة فى قوته وجمال صوته ، صار يجوب المدينة ويبيع كل ما معه من لبن دون العودة بنصفه كما كان سابقا ؛ لخوفه من المضايقات ولصوص الفجر ، ظل سند على هذا الحال والعم قشطة يحس بوجود كلب ضخم يسير وراءه فى كل مكان ؛ سرعان ما ألف الأمر وأخذ يتذكر سند .. حمد الله أن عوضه بهذا الكلب القوى وأصبح سنده فى أيامه الأخيرة التى يشعر فيها بالضعف والمرض دون أن يعرف أنه هو نفسه كلبه الصغير الضعيف سند .أحس سند ذات يوم بالمرض يزحف إلى جسده فأشار إلى ثلاثة من أطفاله الصغار من الكلاب أن يرافقوه فى رحلته اليومية مع العم قشطة ، حكى لهم قصته وسر محبته له ووفائه ، فرحت الكلاب الصغيرة بهذه الرحلة اليومية الجميلة ، مضت أيام والكلاب الصغيرة تخرج مع أبيها الوفى لصاحبه يتعلمون منه الدرس ، شعروا أن لحياتهم معنى وهدف لا مجرد كلاب ضالة تمشى فى الشوارع بلا فائدة، ظل العم قشطة يلاحظ الصغار وهى ترافقه مشواره اليومى مع أبيهم ، إلى أن جاء يوم ولم يرى العم قشطة الكلب الكبير معهم ، أحس العم قشطة بفراغ كبير لغياب الكلب الذى أسماه فى نفسه (سند) رغم وجود الصغار حوله إلا أنه أحس بحنين، تذكر الكوخ الصغير فعاد إلى البيت، صعد درجات السلم فإذا به يرى الكلب الكبير وقد افترش الأرض أمام الكوخ ، جرى إليه وأخذ يقلبه وقد أعياه المرض ، أخذ العم قشطة الذى أيقن أن هذا الكلب هو نفسه كلبه الصغير الذى كان يطعمه ويسقيه بيديه ، لم ينس البيت ودرجات السلم الذى لم يره سوى مرة واحدة حين أقدم على التخلص منه . كم أنت وفى يا سند ، لقد ظلمتك كثيرا ، كم كنت قاسى القلب ، سامحنى ، ظل العم قشطة يبكى كثيرا وهو يحتضنه ، لم تنس كوخك الصغير يا سند ، لم تنس صاحبك العجوز ، لا بد أن أفعل شيئا من أجلك ، لقد فعلت من أجلى الكثير .. نظر إليه سند وكأنه يقول : سامحتك .. ذهب العم قشطة إلى الوحدة البيطرية بالقرية أحضر الطبيب وإذا به يطلب سيارة الوحدة ، رأى العم قشطة الرجال وهم يحملون سند ويضعونه فى سيارة ، ظل يصرخ وكأنه فقد آخر الأحباب، لقد ظلمتك يا سند ، سامحنى يا كلبى الوفى .فى الصباح خرج العم قشطة وهو ينادى فى إعياء شديد :( لباااان .. لباااان ) والكلاب الصغيرة تمشى وراءه وهى تنبح وكأنها تقول : ( حليب يا قشطة ) . 
.
.
الخميس, 21 يونيو, 2007
قصة للأطفال
قصة للشاعر : عزت إبراهيم

jpeg

jpeg

jpeg

jpeg
(0) تعليقات
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









